أخبار التكنولوجيا

السعودية تملك فرصة نادرة لبناء مؤسسات «مولودة للذكاء الاصطناعي»


تُظهر أرقام «ديلويت» فجوة واضحة بين انتشار الذكاء الاصطناعي وقدرته حتى الآن على تغيير طريقة عمل المؤسسات فعلياً. ففي الشرق الأوسط تقول 66 في المائة من المؤسسات إنها حققت مكاسب في الكفاءة بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن 34 في المائة فقط أعادت بصورة جوهرية تصميم منتجاتها أو عملياتها أو نماذج أعمالها. والأكثر دلالة أن 84 في المائة لم تعد بعد تصميم الوظائف أو مسارات العمل حول هذه التقنيات.

وتُشكّل هذه الفجوة بين «الاستخدام» و«إعادة البناء» وفق مسؤولين في «ديلويت الشرق الأوسط» المرحلة التالية من رحلة الذكاء الاصطناعي في السعودية. فالقضية لم تعد مرتبطة بعدد التجارب أو قوة النماذج المستخدمة بقدر ارتباطها بكيفية إعادة تصميم المؤسسات نفسها، في وقت تمتلك فيه المملكة ميزة مختلفة عن كثير من الأسواق تتمثل في وجود مشروعات ومؤسسات جديدة يمكن بناء هياكلها التشغيلية والرقابية والأمنية من الصفر.

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول يوسف برقاوي، شريك وقائد منصة «نمو الذكاء الاصطناعي» وعضو مجلس الإدارة في «ديلويت الشرق الأوسط»، إن النقاش الذي رصده خلال مؤتمر «ليب 2026» تغير بصورة ملحوظة، فبدلاً من السؤال عن عدد مشروعات الذكاء الاصطناعي أو حجم النماذج، باتت القيادات تناقش كيفية إعادة تصميم نموذج التشغيل، وبناء مؤسسات «أصلية للذكاء الاصطناعي»، والتوسع في استخدامه مع المحافظة على الثقة والسيادة.

يوسف برقاوي شريك وقائد منصة نمو الذكاء الاصطناعي وعضو مجلس الإدارة في «ديلويت الشرق الأوسط» (الشركة)

إعادة بناء طريقة العمل

ويرى برقاوي أن تحقيق مكاسب في الإنتاجية يُمثل المرحلة الأسهل نسبياً من تبني الذكاء الاصطناعي، في حين تبدأ القيمة الأصعب عندما تستخدم المؤسسة التقنية لإعادة التفكير في طريقة إيجاد القيمة وخدمة العملاء والمواطنين والمنافسة.

ويشير إلى أن هذا التحول يصبح أكثر تعقيداً مع صعود «الذكاء الاصطناعي الوكيلي»، إذ لم تعد التقنية مقصورة على أتمتة مهمة منفردة، بل أصبحت قادرة على التخطيط والتنسيق وتنفيذ أعمال تمتد عبر أكثر من وظيفة، ما يفرض إعادة النظر في مسارات العمل وصلاحيات اتخاذ القرار والعلاقة بين الموظفين والأنظمة الذكية.

ويضرب مثالاً بوكيل ذكاء اصطناعي لا يكتفي بالإجابة عن استفسار عميل، بل يفهم الطلب، ويجمع المعلومات من عدة أنظمة، وينسق الخطوات التالية، ويرفع الاستثناءات، ويكمل العملية مع تدخل بشري فقط في النقاط المطلوبة. وفي مؤسسة كبيرة، يمكن لمسار واحد من هذا النوع أن يعبر وظائف المبيعات وخدمة العملاء والتمويل والتسويق والخدمات اللوجستية وإدارة المخاطر.

وبذلك، يصبح التحدي التنظيمي مساوياً تقريباً للتحدي التقني، فكلما ازدادت قدرة الأنظمة على التحرك بين الوظائف، تقل جدوى الهياكل الرأسية التقليدية التي تعمل فيها كل إدارة بصورة منفصلة.

ميزة سعودية في «البدء من الصفر»

يبرز الاختلاف السعودي، حسب برقاوي، في طبيعة السؤال الذي يطرحه كثير من المؤسسات الجديدة. ففي أسواق أخرى يدور النقاش حول كيفية إدخال الذكاء الاصطناعي إلى مؤسسة قائمة، في حين تستطيع بعض المشروعات السعودية البدء من سؤال مختلف: كيف يمكن تصميم المؤسسة نفسها لو كانت تُبنى اليوم لعصر الذكاء الاصطناعي؟

هذه نقطة مهمة في المشروعات الخضراء والمشروعات العملاقة الجديدة في المملكة، لأنها تسمح بتصميم البيانات والحوكمة والأمن السيبراني ونموذج التشغيل ضمن بنية واحدة، بدلاً من إضافة الذكاء الاصطناعي لاحقاً فوق أنظمة وإجراءات قديمة.

وبرأي برقاوي، يمكن لهذه المقاربة أن تجعل المؤسسة أكثر قدرة على التكيف والتوسع مع تطور التقنية، لأن الذكاء الاصطناعي يصبح جزءاً من عملية اتخاذ القرار والتشغيل وتجربة العميل، وليس مشروعاً تقنياً منفصلاً.

ويشير كذلك إلى أن الفرصة بحلول 2030 لن تقتصر على قطاع واحد، فالتأثير، في رأيه، سيظهر عند نقاط التقاء القطاعات، مثل سلاسل توريد تُعيد ضبط نفسها في الوقت الفعلي، وبنى تحتية تتوقع الحاجة إلى الصيانة قبل وقوع الأعطال، ومستشفيات تنسق رعاية المرضى استباقياً، وخدمات حكومية تتوقع احتياجات المستفيد بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لها.

مايكل مسعد شريك التقنيات السيبرانية الناشئة في «ديلويت الشرق الأوسط» (الشركة)

السيادة تتجاوز مكان تخزين البيانات

التحول الآخر الذي تراه «ديلويت» هو اتساع مفهوم السيادة في الذكاء الاصطناعي. فبعدما كان النقاش يتركز بصورة كبيرة على مكان إقامة البيانات، بات يمتد إلى السيطرة على الاستراتيجية والبنية التحتية والنماذج والحوكمة والقدرات الحيوية.

ويفيد برقاوي بأن السعودية لا تتعامل، حسبما يراه، مع السيادة والتعاون العالمي بوصفهما مسارين متعارضين، بل تجمع بين الاستثمار في البنية المحلية والمواهب والقدرات السيادية والشراكات مع شركات التكنولوجيا العالمية. لكن هذه المعادلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تنتقل المؤسسات من التطبيقات التقليدية إلى أنظمة مستقلة أو شبه مستقلة، وعندما يتصل الذكاء الاصطناعي مباشرة بالمعدات والبنية المادية.

ماذا تعني النسخة الاحتياطية داخل الدولة؟

من زاوية مختلفة، يحذر مايكل مسعد، شريك التقنيات السيبرانية الناشئة في «ديلويت الشرق الأوسط»، من الخلط بين الامتثال لمتطلبات السيادة وامتلاك مرونة تشغيلية حقيقية.

ويقول خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إن وجود نسخة احتياطية داخل الدولة يظل مهماً، لكنه لا يضمن وحده استمرارية العمل. فإذا كانت البيئتان تتعرضان للعطل نفسه أو للحادث السيبراني ذاته أو تعتمد كلتاهما على المزود نفسه، فإن نقطة الضعف تبقى مشتركة. ومن هنا، يعد أن المؤسسات السعودية تحتاج إلى تحديد مسبق لما يجب أن يبقى داخل المملكة، وما يمكن نسخه بطريقة خاضعة للضوابط، وما يمكن نقله مؤقتاً إلى بيئات أخرى عند الفشل ضمن القواعد المعتمدة، مع حسم هذه القرارات منذ مرحلة التصميم، وبمشاركة الفرق القانونية والتنظيمية والتقنية. هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر في المشروعات التي تدمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات التشغيلية والروبوتات والبنية المتصلة منذ إنشائها.

تنتقل المؤسسات السعودية من مرحلة تجارب الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تصميم نماذج التشغيل وطريقة العمل حوله (أدوبي)

ضوابط يصعب إضافتها بعد التشغيل

ويحدد مسعد مجموعة من عناصر الحماية التي تصبح مكلفة أو معقدة إذا جرت محاولة إضافتها في مرحلة لاحقة، وفي مقدمتها ضوابط الهوية القوية، والفصل الواضح بين تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية، وتأمين وصول الأطراف الخارجية، والرؤية الكاملة للأصول، والسجلات الموثوقة، وبيئات الاستعادة المحمية.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي جزءاً من العمليات فإنه يشدد على ضرورة تصميم نقاط للموافقة البشرية وحدود أمان صلبة منذ اليوم الأول، بما في ذلك آليات إيقاف عند الحاجة.

وتكمن حساسية هذه الضوابط في أن التقارب بين العالمين الرقمي والمادي يوسع أثر الحادث. فاختراق نظام معلوماتي في منشأة تقليدية قد يبقى مشكلة رقمية، في حين يمكن في منشأة متصلة بأنظمة تحكم وتشغيل أن يتحول سريعاً إلى مشكلة تشغيلية أو تتصل بالسلامة.

ويحدد مسعد أكبر مناطق التعرض في تكامل أنظمة تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية، والوصول البعيد للموردين، وأنظمة التحكم المتصلة، وطبقات الهوية المشتركة.

الأتمتة لا تلغي القرار البشري

ومع توسع تقنيات الرصد الآلي والاستعادة الذاتية، لا يرى مسعد أن الاستقلالية الكاملة مناسبة للبنية التحتية الحرجة، فالأنظمة يمكن أن تعمل بصورة آلية في الاكتشاف والعزل وبعض إجراءات الاستعادة المحددة مسبقاً، لكن القرارات ذات التأثير الكبير على السلامة أو الجمهور أو العمليات الرئيسية يجب أن تبقى تحت سيطرة بشرية.

ويربط هذا بين مسارين كانا يعالجان سابقاً بصورة منفصلة: توسع الذكاء الاصطناعي من جهة، والمرونة التقنية والسيبرانية من جهة أخرى. فكلما أصبحت الأنظمة قادرة على تنفيذ العمل بدلاً من مجرد تقديم التوصيات، تصبح بنية التحكم والاستعادة والمساءلة جزءاً من نموذج التشغيل نفسه.

وبالنسبة إلى مجالس الإدارات، يقول مسعد إن قياس المرونة لا يمكن اختزاله في مؤشر واحد، إذ يجب النظر إلى استمرار الخدمات الحيوية، ونجاح الاستعادة تحت الضغط، وإثبات قدرة التحويل إلى بيئة بديلة بدلاً من افتراضها، إلى جانب زمن الاكتشاف والاستعادة، ورؤية أنظمة التشغيل، وسلامة النسخ الاحتياطية.

ويبقى التحدي التالي أمام المؤسسات السعودية، وفق الصورة التي ترسمها «ديلويت»، هو الانتقال من مرحلة نشر أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة أصعب أي إعادة تصميم المؤسسة، من طريقة توزيع العمل واتخاذ القرار إلى السيادة والأمن والقدرة على التعافي، قبل أن تصبح الأنظمة الوكيلة والمادية جزءاً أكبر من التشغيل اليومي.



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى