هذي رؤاي

غاب أبشنب ..

عبد العزيز عبد الوهاب

لكل ( إنقلاب ) عسكري لغته وسرعة حركته وإنفعالاته وأخطائه ؛ فهو حين يقع في جنح من الليل ومن وراء الأكمات والأستار و العيون ؛ فإنه لا شك يقع مبهورا مقطوع الأنفاس وفي مربع المستعجل المضطرب والمرعوب .

وهذه الحال تبقى ملازمة لكل قفزة أو ( حركة ) تقع خارج سياق المألوف والمعتاد والمنتظم في أنظمة الحكم . وهي تتم بمنطق ( الفرصة الواحدة ) فإما التتويج بالعلامة الكاملة وإما الإنسحاق والإحتراق والزحزحة إلى ماوراء الذاكرة والتاريخ .

وكيف كان ما قام به الفريق البرهان ليلة الخامس والعشرين من أكتوبر المنصرم ، وما حمله من إتفاق مع قفزته بوصفها تصحيحا لمسار ومسيرة قائمة ، أو أنها ( إنقلاب ) صحيح وردة صريحة عن ثورة عظيمة أنجزها شعب معلم .

فإن الفريق بدا كالغريق الذي يناضل للوصول لإحدى الضفتين ؛ فلا يكاد يستبين خطاه أهي لليابسة أم إلى الوحل أقرب ؟ .
تمهل الفريق في اللحظة اللاهبة التي لا تحتمل التمهل برهة .إعتقل حمدوك ورهطه ورمى بهم في الغياهب.

ثم سارع لتطمين العالم بأن حمدوك نزل ضيفا عليه في بيته مما يتنافى كليا مع أبسط أبجديات الفعل الإنقلابي الثوري.

ثم بدا الرجل وحيدا في مسرح يعج بالمشاهدين واللاعبين الأجانب المحترفين ، من دون أن يستدعي داعمين مساعدين ، فانتاشته السهام من الداخل الملتهب ومن الخارج المتحفز ، مما اربك تفكيره وأبطأ حركته .

جاء تكوين المجلس السيادي بعد عسر صريح قابله الشارع بزخات من المظاهرات الرافضة ، و تعثر الرجل كثيرا في تسمية رئيس الحكومة الجديدة وأدى حمدوك ولا يزال على نحو درامي تراجيدي، دور الغائب الحاضر ، في مفاوضات ترسيم الرئيس .

تمرمطت سيادة السودان وسمعته ، فنتيجة لقلة خبرة البرهان ونضوب عزمه وحزمه ، أصبح البلد هينا لينا بين الأصاغر والعلوج ومحطات التلفزة والمخابرات التي وجدت فيه ضالتها فأعملت فيه أسنة التحريض والفتن .

يستقبل البرهان الوفود بوصفه رئيسا الدولة .. ويستقبل حمدوك المعزول ذات الوفود أيضا بوصفه رئيسا للحكومة .. ويسمح بخروج المتظاهرين للتنديد به ، بينما يمارس التنكيل برموز الحكومة التي إنتفض عليها .

جرب السودان والعالم الإنقلابات وذاق طعمها المر وعرف أساليبها ورجالها ومقاصلها وتنكيلها .

لكن ما قام به الفريق البرهان لا يصح فيه إلا ما يقال حين يفتقد الرجل الفذ في الموقف الحاسم .

أمسك بالعصا من منتصفها .. وراوح بالمحل الواحد وغاب كثيرا حين كان يجب أن يظهر ويتجمهر ويقدل ولم يفعل ما يفعله رجال الإنقلابات الكبرى والأخطاء الكبرى .

والسؤال هل أضاع البرهان ما تأسس من تراث عن الإنقلابات ورجالها النواشف من خلال هذه البهدلة والرمادية والمساخر التي بانت في مواقف الرجل ؟

غاب البرهان أبشنب وحضر البرهان أبضنب /المجوبك

ودمتم
* كتبت يوم 5/11 وننشرها اليوم للتوثيق والتاريخ

Total Page Visits: 17 - Today Page Visits: 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى