هذي رؤاي

الكحلي

 

 

كان ( يترقط) عندما تأتي سيرتها ويرقد سلطة لرؤيتها ، ويتناولها كأحلى ( فاكهة ) أنجبتها بطن .. عشقها وأعلى من شأنها حتى أنه سماها وناداها في المحافل : أخت العذارى .. إنها الكمونية يا سيدات .. كان ترضن ولا تابن .

لا يدانيها ولا يداقرها في عشقه لها لا فول مدنكل ولا شواء مشطشط ولا الجن اللحمر ذاتو .. ! وهنا ينهض الإستفهام اللذيذ : في حب يا اخوانا أكتر من كدا ؟

قال عنه شاعر ( الجريدة) ورئيس تحريرها وقلمها الأول فضل الله محمد : إذا كنت تطلب فنانا مطربا ماتعا جامعا ومتمما في عتبات الصوت و الذائقة والإلتقاطات الرشيقة فلن تجد غير عبد العزيز محمد داؤود .
ثم تدفق شلالا من الفرح .. هل أنت معي .. بالله يا أهل الهوى ..أجراس المعبد ، عذارى الحي وفينوس .. ولحن العذارى ..

كأحلى ما يكون النغم ويتراش العبير ..فقد بلغت أغانيه المسجلة 184 أغنية وله تسجيلات نادرة في تلاوة القرآن الكريم والإبتهالات وله حظوظ واسعة من ديوان الإمام البوصيري.

( كان لأرواحنا المكتظة بالأحزان الجافة ، مطرة الفرح الأولى ، وكان هو الذي اخترع القعدة وصيّر لها نظاما بديعا ، وإليه يكون الفضل في أن نتعلم عنه كيف تكون الصداقة ، وكيف يكون الفن والسلوك القويم أمراً واحداً )..

بتلك الكلمات المفنات رسم علي المك لوحته الكبيرة عن صديقه وأخوه بالرضاعة من شطر النباهة وصفاء الخاطر أبو داوود أو ( الكحلي)أو صاحب ( السواد الاعظم) كما كان يحلو له تسميته .

نفحه الكابلي أول نص كتبه ولحنه : ( يا زاهية) و صعدا مرة للغناء معا في الحفل الذي حضره الازهري ، فقال أبوداود صاحب الجدعات الخطيرة للزعيم :
سيغني لكم اتنين من أولاد بحري ، الكابلي وانا ..
بلاك اند وايت .
و عزيز حين ينثر النكنة فإنك تضحك بصفاء (يجعل الإكتئاب المر يتساقط من خيوط ما يحيط بك ) جلابية أو قميص تحرمني منك .. أو توب رسالة لندن الذي تعرفه زوجات السفراء وبنات بحري وأمدرمان الأنيقات .

درس ابو داود المولود ببربر في نواحي العام 1924 أو 27 الخلوة وتميز بصوت فخيم أعجب شيوخه ، ووقتا قصيرا في مدرسة الخرطوم الإبتدائية (وسط السوق) وكانت تصله عبر شبابيك الفصل خلاصة الخلاصة من روائع كرومة المنبعثة من الكافتريات ، فلم تكن تترك له بالا ولا عقلا يعالج به ما يقرأ ويكتب ..

مشى مرة حافيا لساعات في ليل بهيم مزقت فيه الكلاب ماكان يلبس للإستماع لزنقار الفنان .. ومذاك ( الليل والعضة) نبتت في الفتى الذهبي بذرة التطريب والتجويد تلاوة ومديحا وغناء ماجدا .

وارتبط بعلاقة وثيقة مع الشاعر العطبراوي الطاهر محمد عثمان والملحن برعي محمد دفع الله وصاغا أروع الألحان وكانت ( أحلام الحب) أول عمل مشترك بينهما ، ومثلا معا (فتحا للغناء المبين) ..

وكان بوسعه ؛ وكثيرا ما فعل ذلك ؛ أن يقيم قعدة كاملة بأوركسترا منتظمة لها دوي ودندنة قوامها علبة كبريت فقط . شيئا لم تألفه الدنيا ولم يجود بمثله زمان

يقول البروف : هوّن ابو داود على ناس السودان شظف العيش وخيانة الحكام وخيبة الأحلام . كان ، غير كونه المغني المُجيد ، واحداً من ثيمات المدينة أو أيقوناتها بلغة اليوم.

كما أن غناءه كان قادرا على أن يجعل في الناس الحساسة شيئا من السعادة ، لذلك كانوا يحيطون به ما وجدوه : في المناطق الصناعية الثلاث و مع العتالة في سوق أمدرمان وفي صف البنزين حيث يحتدم الطرب وتزدهر الفكاهة .

فكر مرة في إقامة مزرعة خاصة ، وتمول من البنك الزراعي؛ لكن لم تكن له خبرة هنا ؛ فعجز عن سداد الأقساط فزيل خطابه لمدير البنك باسترحام لطيف : كنت ناوي أبقى عزيز كافوري .. لكن طلعت عزيز قوم ذل.

أرسل الليل ذيوله وتدلى ..ومضى كل شئ إلى سكوته الأخير ..القلب النابض واللسان الذرب والصوت المجلجل ..

صعدت الروح ترقيا وطمعا في رضى رب غفور .. أما الجسد فنزل مهلا في ترب المدينة التي سكنها وأحبها .

وكتب علي المك يومها بينما نحن وقوفا أمام باب الاسبتالية : سمعنا رجلاً فقيراً ما ستر الليل فقره يحدث بائساً مثله في ليل بحري يقول له : أبو داؤد مات ! ! فانفجرت السيارة ، نحن بداخلها، تبكي! ، وصعد الغبار يبكي .

و لقيت عبدالله عربي أمامي جالساً، يتيم الكمان ، علي الأرض يبكي، ، وجاء كل أهل الموسيقي يبكون ، وكل الوتريات تبكي، ورق كرومة يبكي ، و دخلت بحري بيت الحبس .
كان اليوم سبتا والتاريخ 4/8/1984 ، عن 54 عاما صحيح أنها كانت معدودة لكنه شغل فيها الناس كثيرا ؛ ناس الحلفاية والدناقلة والهاشماب وذواقة فن الحقيبة والمريخاب وخلق كثير آخرون بينهم حسان عاشقات .

إنه أبوك يا عزة عبد العزيز … فخر الصناعة السودانية.. قنديل الفرح وصانع المرح ..
وبعد .. فماذا أقول .. وقد (زرعوك في قلبي )غير إني بحبك يا زول يازين والناس دوام تطراك يا كحلي يالذيذ

ودمتم

Total Page Visits: 81 - Today Page Visits: 1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى